العيني
180
عمدة القاري
( البدائع ) واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة ، فقال بعضهم : لا يجوز ، لأن الجواز عرف بالنص ، وأنه ورد بالوضوء دون الاغتسال ، فيقتصر على مورد النص ، وقال بعضهم : يجوز لاستوائهما في المعنى . ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر لتخرج حلاوتها إلى الماء ، وهكذا ذكر ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تمرات ألقيتها في الماء ، لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء ليحلو فما دام رقيقاً حلواً أو قارصاً يتوضأ به عند أبي حنيفة وإن كان غليظاً كالرب لا يجوز التوضؤ به ، وكذا إذا كان رقيقاً لكنه غلا واشتد وقذف بالزبد لأنه صار مسكراً ، والمسكر حرام ، فلا يجوز التوضؤ به ، لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رقيقاً حلواً ، فلا يلحق به الغليظ والنبيذ إذا كان نياً أو كان مطبوخاً أدنى طبخه ، فما دام قارصاً أو حلواً فهو على الخلاف وإن غلا واشتد وقذف بالزبد فلا ، وذكر القدوري في ( شرحه مختصر الكرخي ) الاختلاف فيه بين الكرخي وأبي طاهر الدباس ، على قول الكرخي : يجوز ، وعلى قول أبي طاهر : لا يجوز ، ثم الذين جوزوا التوضؤ به احتجوا بحديث ابن مسعود حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن : ( ماذا في إداوتك ؟ قال : نبيذ قال : تمرة طيبة وماء طهور ) رواه أبو داود والترمذي ، وز اد ، ( فتوضأ به وصلى الفجر ) وقال بعضهم : وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه . قلت : إنما ضعفوه لأن في رواته أبا زيد وهو رجل مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث ، قاله الترمذي . وقال ابن العربي في ( شرح الترمذي ) أبو زيد مولى عمرو بن حريث ، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق ، وهذا يخرجه عن حد الجهالة ، وأما اسمه فلم يعرف فيجوز أن يكون الترمذي أراد أنه مجهول الاسم . على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلاً عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد . الأول : أبو رافع عند الطحاوي والحاكم . الثاني : رباح أبو علي عند الطبراني في ( الأوسط ) . الثالث : عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في ( كتاب الصحابة ) . الرابع : عمرو البكالي عند أبي أحمد في ( الكنى ) بسند صحيح . الخامس : أبو عبيدة ابن عبد الله . السادس : أبو الأحوص ، وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني . فإن قلت : قال البيهقي : محمد بن عيسى المدائني واهي الحديث ، والحديث باطل . قلت : قال البرقاني : فيه ثقة لا بأس به . وقال اللألكائي : صالح ليس يدفع عن السماع . السابع : عبد الله بن مسلمة عند الحافظ أبي الحسن بن المظفر في كتاب ( غرائب شعبة ) . الثامن : قابوس بن ظبيان عن أبيه عند ابن المظفر أيضاً بسند لا بأس به . التاسع : عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه . العاشر : عبد الله بن عباس عند ابن ماجة والطحاوي . الحادي عشر : أبو وائل شقيق بن سلمة عند الدارقطني . الثاني عشر : ابن عبد الله رواه أبو عبيدة بن عبد الله عن طلحة بن عبد الله عن أبيه أن أباه حدثه . الثالث عشر : أبو عثمان ابن سنه عند أبي حفص بن شاهي في كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) من طريق جيدة ، وخرجها الحاكم في ( مستدركه ) الرابع عشر : أبو عثمان النهدي عند الدورقي في ( مسنده ) بطريق لا بأس بها . فإن قلت : صح عن عبد الله إنه قال : لم أكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قلت يجوز أن يكون صحبه في بعض الليل واستوقفه في الباقي ثم عاد إليه ، فصح أنه لم يكن معه عند الجن ، لا نفس الخروج . وقد قيل : إن ليلة الجن كانت مرتين . ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ولا غيره ، كما هو ظاهر حديث مسلم ، ثم بعد ذلك خرج إليهم وهو معه ليلة أخرى ، كما روى أبو حاتم في ( تفسيره ) في أول سورة الجن ، من حديث ابن جريح قال : قال ابن عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نيتوى ، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين . وقال بعضهم : على تقدير صحته ، أي : صحة حديث ابن مسعود : إنه منسوخ ، لأن ذلك كان بمكة ونزول قوله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * ( سورة النساء : 43 ) إنما كان بالمدينة بلا خلاف . قلت : هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية ، وابن حزم من كبار الظاهرية ، والعجب منه أنه ، مع علمه أن هذا مردود ، نقل هذا وسكت عليه . وجه الرد ما ذكره الطبراني في ( الكبير ) والدارقطني : أن جبري عليه السلام ، نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء . وقال السهيلي : الوضوء مكي ، ولكنه مدني التلاوة ، وإنما قالت عائشة ، رضي الله تعالى عنها . آية التيمم ولم تقل : آية الوضوء ، لأن الوضوء كان مفروضاً قبل غير أنه لم يكن قرآناً يتلى حتى نزلت آية التيمم ، وحكى عياض عن أبي الجهم : أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة .